الخطيب: إياد أبوعجمية.
في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا شجر، ولا بيت فيها من مدر ولا وبر، وقف خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام مناديا بالحج، فأوصل الله نداءه إلى كل الدنيا؛ فسمعه من في الأرحام {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (الحج: ٢٧-٢٨).
لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ
عباد الله الحج ركن الإسلام الأعظم، امتن الله به على عباده المؤمنين، يذكرون الله فيه ويعظمونه، ويعظمون شعائره؛ ليطهرهم من الذنوب والآثام {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} (البقرة: ١٢٧-١٢٨)
الحج اعلان بالتوحيد وبراءة من الشرك، واعتصام بالحنيفية السمحاء ملة أبينا إبراهيم {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} (الحج: ٣١)، {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ} (التوبة: ٣).
لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ
الحج شعار وحدة الامة من لدن أبينا ابراهيم عليه السلام إلى قيام الساعة، مهما تعاقبت الازمان ومهما تباعدت المسافات واختلفت اللغات وتنوعت الاجناس والاعراق، أمة واحدة، ربها واحد، عقيدتها واحدة {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: ٩٢).
عباد الله، في هذه الأيام يستعد وفد الرحمن وأهل الايمان والاحسان للانطلاق إلى خير رحلة إلى خير بقاع الدنيا إلى مكة المكرمة، متجردين من حطام الدنيا وزينتها، متزودين بزاد التقوى ولباسه، ملبين دعوة خالقهم وربهم، وقد سبقتهم قلوبهم شوقا إلى مهواها وانسها؛ فهنيئا لكم يا من أطعتم ربكم فاستجبتم
لنداء ابيكم ابراهيم {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} (إبراهيم: ٣٧).
لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ
وهنيئا لكم يا ضيوف الرحمن؛ فالله في عليائه يباهي بكم، انتم ضيوف الرحمن، نزلتم خيرا منزل عند أكرم الأكرمين، قال صلى الله عليه وسلم: “الحجَّاجُ والعمَّارُ وفدُ اللهِ، إن دعوه أجابهم، وإن استغفَروه غفَر لهم”، ويقول صلى الله وسلم: “إنَّ اللهَ يُباهي بأهلِ عرفاتٍ ملائكةَ السماءِ، فيقولُ : انظُروا إلى عبادي هؤلاءِ، جاءوني شُعْثًا غُبْرًا”.
وهنيئا لكم وانتم تجددون العهد مع الله، وتجددون التوبه، وتعقدون العزم على الطاعه، وتكبرون الله وتعظمونه، هنيئا لكم وانتم تطوفون بالبيت العتيق، وتعظمون شعائر الإسلام {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: ٢٩).
هنيئا لكم وانتم تقفون على جبل الرحمة، تكبرون الله وتستغفرونه وتسبحونه، فتنزل عليكم الرحمات، ويعتقكم الله من النيران، قال صلى الله عليه وسلم: “ما مِن يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فيه عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بهِمُ المَلَائِكَةَ، فيَقولُ: ما أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟”.
هنيئا لكم وانتم ترمون الجمرات وتخزون الشيطان، هنيئا لكم وأنتم تقربون الهدي.
اللهم اكتب لنا حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكور.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أخي الحاج وصيتي لك، اجعل الصبر زادا لك في رحلتك، استعن بالله على تحمل المشاق ووعثاء السفر، واجعل من حسن الخلق شعارا ودثارا لك، إياك أن يحبط عملك و يضيع اجرك بسبب سوء الخلق، إياك الوقوع في المعاصي صغيرها وكبيرها، إياك والغيبة، إياك والنميمة، تجنب اللغو والكلام الفاحش البذيء، قال صلى الله عليه وسلم: “مَن حَجَّ هذا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كما ولَدَتْهُ أُمُّهُ”، وقال صلى الله عليه وسلم: “والحَجُّ المَبْرُورُ ليسَ له جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةُ”، الحج المبرور: هو الحج السليم من المعاصي مع حل النفقة (أي أن النفقة تكون من مال حلال).
وانت يا اخي يا من لم يكتب له الحج في هذا العام، فالله برحمته وواسع فضله وكرمه لم يحرمك من الأجر؛ فقد شرع لنا صيام يوم عرفة حتى نشارك اخوتنا في الأجر، قال صلى الله عليه وسلم: “صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ”.
نسال الله ان يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم اني داع فامنوا.


أضف تعليق