النفس البشرية

الخطيب: إياد أبوعجمية.

النفس البشرية من أعظم ما خلق الله سبحانه وأبدع، ولقد أقسم الله بها في أطول قسم في القرآن الكريم في جملة ما أقسم به من عظيم خلقه؛ كالشمس والقمر والسماء والأرض، يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)} (الشمس: ١-٨).

ثم جعل  جواب القسم بهذه المخلوقات العظيمة: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (١٠)} (الشمس: ٩-١٠)، أي قد فاز وسعد من طهرها من الذنوب والآثام ونماها بالعلم والعمل الصالح، وخاب وخسر من دنسها بالذنوب والرذائل والشبهات الباطلة.

ولقد احتار الناس في فهم هذه النفس البشرية وفهم حقيقتها وخصائصها، والحق أن النفس البشرية خلق عجيب لا يمكن معرفتها، إلا بالرجوع إلى خالقها ومبدعها: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك: ١٤).

وقد أودع الله فيها ما أودع من قدرات واستعدادات هائلة وأسرار غامضة، واتجاهات وميولات متباينة متناقضة، وهي كائن حي متحرك، قابل للنمو والتغير، ويمكنها أن ترتقي إلى أعلى درجات الطهر والنقاء،  حتى تصل إلى درجة الملائكة الأطهار، أو تنحط وتهوي إلى أسفل الدركات وأخسها فتكون البهائم خيراً منها.

والأصل في النفس البشرية أنها سوية مستقيمة جبلت على التوحيد بالفطرة: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: ٣٠)، إلا أن الله جعلها مهيأة لقبول الخير والشر، وهي بذلك تختلف عن سائر مخلوقات الله التي جبلت وأجبرت على الطاعة والانقياد لأمر الله، يقول الله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان: ٣)، ويقول تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (الشمس: ٨).

ومن العجيب أن القرآن الكريم حين يتحدث عن النفس أحيانا يتحدث عنها بصيغة الفاعل، كقول الله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} (طه: ٩٦)، وفي قوله: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} (يوسف: ٨٣).

وأحيانا يتحدث عنها بصيغة المفعول به كقول الله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (١٠)} (الشمس: ٩-١٠).

والناس في أمر تزكية أنفسهم متفاوتون فمنهم من ارتقى بنفسه إلى أعلى وأسمى درجات التزكية كالأنبياء والصديقين والشهداء، ومنهم من انحط بنفسه إلى أخس دركات التدنيس والتدسية كالمنافقين والكافرين، ومنهم من خلط بينهما؛ فالنفوس على ثلاثة أنواع: نفس مطمئنة ونفس لوامة ونفس أمارة بالسوء؛ فالنفس المطمئنة هي: النفس التي اطمأنت إلى خالقها، وإلى قضائه وقدره، وإلى عطائه ومنعه، وسكنت إليه وأنست بقربه، وقرت عينها بطاعته وبذكره، وتلذذت بعبادته، ونفرت من المعاصي والآثام، وتشاءمت منها، وهي النفس التي كبحت جماح شهواتها وأهوائها، وتغلبت على وساوسها وشبهاتها، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)} (الفجر: ٢٧-٣٠).

والنفس الأمارة بالسوء هي التي تأمر الإنسان بفعل السيئات والموبقات، وقد أخبر الله عنها في القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} (يوسف: ٥٣)، فهي تأمر صاحبها بكل رذيلة، وتنهاه عن كل فضيلة، وتسيطر عليها الغرائز الحيوانية، وتوجه صاحبها وتقوده بما تهواه من شهوات ورغبات، وأخبر سبحانه وتعالى إنها أمارة بصيغة المبالغة، ولم يقل آمرة، وذلك لكثرة ما تأمر به من السوء، لأن ميلها إلى الشهوات المحرمة صار عادة وطبعا مستحكما، ولقد ذكرها الله في أكثر من موضع في كتابه الحكيم قال الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} (يوسف: ١٨)، وقال على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} (طه: ٩٦)، وقال تعالى حكاية عن ابن  آدم: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (المائدة: ٣٠)

أما النفس اللوامة فهي: نفس دائمة اللوم  لصاحبها، كثيرة المحاسبة له، وهي نفس متيقظة خائفة متوجسة، تندم على تقصيرها في الطاعة، وتندم بعد ارتكابها المعصية، تلوم صاحبها وتحاسبه أولا بأول، وهي نفس طيبة كريمة على الله، لذلك أقسم الله بها في القرآن بقوله: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)} (القيامة: ١-٢)، قال ابن عباس ومجاهد والحسن: هي والله نفس المؤمن “إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ ولا أراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قُدماً لا يعاتب نفسه.”

 يروى أن “جاء رجل يشكو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مشغول فقال له: أتتركون الخليفة حين يكون فارغاً حتى إذا اشتغل بأمر المسلمين أتيتموه؟ فضربه بالدرة وانصرف الرجل حزينا، فتذكر عمر أنه ظلمه، فدعاه وأعطاه الدرة، وقال له: اضربني كما ضربتك، فقال الرجل: تركت حقي لله، فقال عمر إما أن تتركه لله فقط وإما أن تأخذ حقك، فقال الرجل: تركته لله فانصرف عمر إلى منزله فصلى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: يا ابن الخطاب كنت وضيعا فرفعك الله وضالاً فهداك الله وضعيفا فأعزك الله، وجعلك خليفة فأتى رجل يستعين بك على دفع الظلم فظلمته؟ !! ما تقول لربك غداً إذا أتيته، وظل يحاسب نفسه حتى أشفق الناس عليه)” (مناقب أمير المؤمنين عمر، لابن الجوزي)

 ويروى عن ابن الصمة: “أنه جلس يوماً ليحاسب نفسه فعد عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي واحد وعشرون ألفا وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: “يا ويلتي! ألقي الملك بواحد وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟!” ثم خر فإذا هو ميت!”

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة. 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، 

عباد الله،،،

هذا وقد علمنا أنواع النفس البشرية، ينبغي على كل عاقل أن يعالج نفسه، ويجاهدها بتزكيتها، حتى لا يكون  من أصحاب النفوس الأمارة بالسوء، بل يرتقي بنفسه حتى تكون نفسه نفس لوامة، أو حتى تحقيق الدرجة الأعلى، والغاية الأسمى، وهي النفس  المطمئنة.

وليعلم كل مسلم أن التزكية طريق الجنة، قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (٤١)} (النازعات: ٤٠-٤١)، والنفس البشريه كالحديقة أن تعاهدتها بحرثها وزراعتها وسقايتها وازالة الاعشاب الضارة، ازدهرت وأنبتت من كل زوج بهيج، وإن أهملتها وتركتها على حالها نبتت فيها الأعشاب الضارة، الأشواك، ويبس الزرع وماتت الأشجار والثمار.

وإن من أعظم أساليب تزكيتها مخالفتها، والإنكار عليها، وعدم تلبية رغباتها، لأنها داعيه للراحه والمعصية، يقول الغزالي رحمه الله: “اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى الشر فرارة من الخير، وأمرت بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها، ومنعها عن شهوتها وفطامها عن لذاتها، فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك”.

ومن وسائل تزكيتها لزوم الذكر والإستغفار، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)} (الأحزاب: ٤١-٤٢)، ويقول تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} (آل عمران: ١٣٥).

ومن الأسباب المعينة على التزكية لزوم صحبة الصالحين، والابتعاد عن رفقاء السوء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ”، وقال صلى الله عليه وسلم: “لا تصاحبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إلا تقيٌّ”.

ومن وسائل التزكية  المحافظة على الطاعات ولزوم العبادات يقول الله تعالى في شأن الصلاة: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت: ٤٥)، ويقول في شأن القرآن: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: ٩)، ويقول في شأن الصدقة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة: ١٠٣).

ومن وسائل تزكية النفس ترك المحرمات عموما واجتنابها يقول الشاعر:

 رأيتُ الذنوبَ تميتُ القلوب***ويتبِعُها الذلَّ إدمانُها

وتركُ الذنوب حياةُ القلوبِ***وخيرٌ لنفسكَ عصيانُها

(عبد الله بن المبارك)

اسأل الله العظيم أن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اني داع فامنوا. 

أضف تعليق