الخطيب: إياد أبوعجمية.
يستذكر المسلمون في شهر جمادى الأولى من كل عام حدثاً عظيما يذكرهم بعزة الإسلام ومكانته، ويحيي فيه معاني الجهاد والشهادة، ويجدد فيهم علو الهمة وقوة العزيمة؛ وهي ذكرى معركة مؤتة الخالدة، التي أعز الله فيها الإسلام والمسلمين، فحري بنا أن نقف وقفة متأمل متدبر لهذا الحدث العظيم، ونتذكر الدروس والعبر المستفادة منه، {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ} (إبراهيم: ٥)، {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} (الذاريات: ٥٥).
عباد الله،،،
وقعت معركه مؤته في السنه الثامنه من الهجرة، والسبب المباشر في هذه المعركة، قيام شرحبيل بن عمرو الغساني عامل الروم على أرض البلقاء بقتل رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين فجهز جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل للثأر من مقتل الحارث بن عمير.
عقد الرسول صلى الله عليه وسلم اللواء في هذه المعركة لزيد بن حارثة وقال: ” إنْ قُتِل زيدٌ فجعفرٌ وإنْ قُتِل جعفرٌ فعبدُ اللهِ بنُ رواحةَ” ثم أوصاهم فقال: “اغْزوا بسمِ اللَّهِ وفي سبيلِ اللَّهِ قاتِلوا مَن كفرَ باللَّهِ ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تقتُلوا وليدًا”، وقال: “لا تقتُلُنَّ امرأةً ولا صغيرًا ضرعًا ولا كبيرًا فانيًا ولا تُغرِقُنَّ نخلًا ولا تقطعُنَّ شجرًا ولا تهدِموا بناءً”.
أقام المسلمون في مدينة معان ليلتين، ولما وصلتهم اخبار جيش الروم وعدته وعتاده، ولم يكونوا قد أدخلوا في حسابهم لقاء هذا الجيش العرمرم الذي يقدر قوامه ب 200,000 مقاتل، احتاروا في أمرهم وتشاوروا، “فقالوا: نَكتُب إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نُخبِرُهُ بعَددِ عَدُوِّنا، فيَأمُرنا بأَمرِهِ أو يُمِدُّنا. فقال عبدُ الله بنُ رَواحةَ: يا قومُ، إنَّ الذي تَكرَهون لَلَّتِي خَرجتُم تَطلُبون -يعني الشَّهادةَ- وما نُقاتِلُ النَّاسَ بِعدَدٍ ولا قُوَّةٍ، وما نُقاتِلُهُم إلَّا بهذا الذي أَكرَمَنا الله به، فانْطَلِقوا فهي إحدى الحُسْنَيينِ: إمَّا ظُهورٌ، وإمَّا شَهادةٌ.”
ويلتحم الجيشان وفي جوف المعركة الملتهب يرتجز جعفر بن ابي طالب قائلاً:
يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا
طَيِّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا
وَالروم روم قددنا عَذَابُهَا
كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيَّ إذْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
وتشتبك السيوف والرماح، ويستبسل زيد بن حارثة في القتال، حتى شاط في رماح القوم فيستشهد، فيتلقف الراية جعفر ويقاتل حتى قطعت يمناه، فحمل الراية بشماله، ويقاتل حتى قطعت شماله، فيحتضن الراية بعضديه، ويقاتل حتى يستشهد وهو ابن 33، ويُرى فيه بعد استشهاده بضع وسبعون طعنة في صدره مقبلا غير مدبر.
ثم يحمل الرايه عبد الله بن رواحة تحت بريق السيوف فيجد في نفسه ترددا فاخذ ينشد محفزا لها على الأقدام:
أَقسَمتُ يا نَفسُ لَتَنزِلِنَّه … لَتَنزِلِنَّه أَو لا لَتُكرَهِنَّه
إِن أَجلَبَ الناسُ وَشَدّوا الرَنَّة … ما لي أَراكِ تَكرَهينَ الجَنَّة
قَد طالَما قَد كُنتِ مُطمَئِنَّة … هَل أَنتِ إِلّا نُطفَةٌ في شَنَّه
**
يا نفس إن لا تقتلي تموتي … هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت … إن تفعلي فعلهما هديت
روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: “أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، نَعَى زَيْدًا، وجَعْفَرًا، وابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقالَ أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ ابنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حتَّى أخَذَ سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ حتَّى فَتَحَ اللَّهُ عليهم.”
عباد الله إنه الثبات في أشد حالات الحرب والشجاعة التي ليس لها نظير، الذي يعد أعظم مراتب النصر والغلبة والفتح.
وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يراقب هذا المشهد البطولي حين حمل خالد الراية اشتد القتال، وينسحب خالد بالجيش بأقل الخسائر في حنكة عسكرية ليس لها نظير ويشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لجيش مؤتة انهم الكرار الذين سيكرون على الأعداء مره تلو مره.
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله،،،
معركة مؤتة من المعارك الهامة والفاصلة في التاريخ، ولها كثير من الآثار والنتائج الهامة:
بمؤتة يا أخي عبر
بها الأيام تفتخر
ومن أهم آثارها ونتائجها، أنها كانت بمثابة إعلان عن ميلاد قوة عظمى جديدة بين قوى العالم المؤثرة في ذلك الوقت: الفرس والروم؛ وبذلك تكون قد أحدثت انقلابا في موازين القوى في خريطة العالم القديم ومن نتائجها.
أن الباحثين في العلوم العسكرية يعتبرونها نقطة تحول في علم التخطيط العسكري، إذ أن المعركة أثبتت أن التخطيط العسكري يفوق في أهميته مستوى التسليح وإعداد أفراد الجيش.
ومن أهميتها أنها كانت أول غزوة يخوضها المسلمون خارج الجزيرة العربية فكانت بدايه لسلسله معارك كثيرة بين المسلمين وأعدائهم من الروم والفرس تكللت هذه المعارك بانتصار المسلمين وانهيار الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، وفتح مدنها ووقوعها تحت الحكم الإسلامي.
ومن نتائجها أنها زادت من هيبة المسلمين عند القبائل العربيه المحيطه، فعلموا أن لا قدرة لهم على مواجهة جيش المسلمين القوي، فأحجموا عن قتال المسلمين والإغارة عليهم.
ومن الدروس المستفادة من معركة مؤتة عظم حرمة دم المسلم، فلقد حرك رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش من أجل فرد مسلم واحد، ومن أجل الحفاظ على هيبة الدولة الاسلامية الناشئة، ولو أجرينا مقارنة سريعة مع أحوال المسلمين في وقتنا الحالي، فإن القلب يذوب حسرة وأسى، فالمسلمون المستضعفون من أهل غزة يتعرضون لحملة إبادة ممنهجة منذ سنة كاملة، وتدمر البيوت فوق ساكنيها، وتحرق الخيام بمن فيها من اطفال ونساء وشيوخ، ولا يحرك أحدا من قادة وحكام العالم الإسلامي ساكنا، ولا يرمش لهم جفن، ولا تدمع لهم عين، بل إن كثيراً منهم بالفعل تواطأوا مع أعداء الله، وتأمروا على المجاهدين وعلى أهل غزة المستضعفين المنكوبين، فتراهم يمدون أعداء الله اليهود بالغذاء والحاجات الأساسية التي تعينهم على استمرار عدوانهم الهمجي على أهلنا في غزة، فلا حول ولا قوه الا بالله ولله المشتكى.
لمثل هذا يذوب القلب من كمد
إن كان في القلب إسلام وإيمان
اللهم أصلح أحوال المسلمين، وردنا إلى دينك ردا جميلاً، وأحيي فينا فريضة الجهاد، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء والمجرمون منا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ال سيدنا محمد.


أضف تعليق