الخطيب: إياد أبوعجمية.
بعد مرور أكثر من عام على معركة طوفان الأقصى والحرب المسعورة على أهلنا في قطاع غزة، ووقوف العالم الإسلامي والعربي، حكاما وشعوبا، موقف المتفرج على أهلنا في غزة وهم يقتلون ويشردون ويجوعون، يتساءل كل إنسان صادق غيور: لماذا تقف الشعوب العربية والإسلامية مكبلة وعاجزة عن نصرة شعبنا في غزة؟ والإجابة على هذا السؤال قد تطول كثيرا، إلا أنني سأذكر في هذه الخطبة القصيرة بعض الأسباب والقيود التي تحول بيننا وبين نصرة إخواننا في الدين والعقيدة.
أقول، وبالله التوفيق، إن النظام العالمي المجرم، الذي تديره عقول جبارة تمتاز بالدهاء والخبث الشديد، قد وضع خططا للسيطرة على شعوب العالم، وخاصة شعوب العالم الإسلامي، وما حكام وقادة العالم الإسلامي والعربي إلا أدوات في تنفيذ هذه المخططات الخبيثة المجرمة.
هذا النظام الكافر المجرم يستخدم عدة أساليب وأسلحة وأدوات لتنفيذ هذه المخططات، وإن من أعظم أسلحتهم سلاح الجهل.
لذا فإن الأنظمة الظالمة والمستبدة تمارس سياسات تجهيل شعوبهم، بالانتقاص من العلم والعلماء، والحط من شأنهم، وتهديدهم، والزج بهم في السجون والمعتقلات. وفي نفس الوقت، يرفعون من شأن التافهين من الفنانين والمغنيين ولاعبي كرة القدم، وينفقون الملايين الملايين على الحفلات والمسلسلات والمهرجانات الغنائية الفاجرة، وما مهرجان وموسم الرياض الأثيم عنا ببعيد.
وإن تردي أوضاع المدارس والجامعات والمعلمين في العالم الإسلامي له دليل واضح لما يراد بهذه الأمة من تجهيل، وما يدبر لها من كيد، فهم يعلمون تمام العلم أن الإنسان الجاهل يسهل السيطرة عليه، ويسهل سوقه، كما تساق البهائم إلى الحظائر أو إلى الذبح.
لكن دين الإسلام قد رفع من شأن العلم والعلماء، وأعطاهم مكانتهم التي يستحقونها، وبين أن العلماء هم ورثة الأنبياء في حمل الرسالة ونشر الهدى والنور وإدارة شؤون الناس والحياة، يقول الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: ١١)، ويقول صلى الله عليه وسلم: “إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ”.
ومن أسلحتهم وسياساتهم سياسة التجويع، فهم يرون أن خير وسيلة لإخضاع الشعوب وإرغامها هو تجويعها، انطلاقا من مقولتهم: “جوع كلبك يتبعك، أو جوع شعبك يتبعك”، معتقدين أن رفاهية الشعوب المادية تنقلب ضدهم، لأنهم يرون أن رفاهية الشعوب سيتبعها رفاهية الفكر، وبالتالي تحركها لمحاسبة المسؤولين والمطالبة بالحقوق، وهم يرون أن الإنسان الجائع لا هم ولا فكر ولا شغل له سوى البحث عن لقمة العيش وتأمينها، يقول أحد مفكريهم: “اجعل العامة مشغولين، لا تمنحهم وقتا ليفكروا، أعدهم للمزرعة مع باقي الحيوانات”.
ومن سياساتهم المجرمة سياسة الخوف أو سياسة العصا الغليظة، فتراهم يضربون بيد من حديد كل مخالف أو معارض أو منتقد أو حتى ناصح لهم، فتمتلئ السجون بكل من يجرؤ على أن يفتح فمه بكلمة حق أو انتقاد، خاصة العلماء المخلصون والمفكرون والمصلحون، لأجل ذلك تراهم ينفقون الملايين على أعوانهم وجنودهم، وتخصص لذلك الميزانيات الضخمة، ويهملون حاجات شعوبهم الأساسية كالتعليم والصحة.
ومن المخططات الخبيثة تدمير الأخلاق ونشر الرذيلة ونشر المخدرات، فهم يعلمون أن الأمم تبقى قوية متماسكة ما بقيت الأخلاق فيها، فإذا أصيبت في أخلاقها وانتشرت الفواحش فيها، ضعفت وانهارت، وسهل السيطرة عليها، لذا فهم لا يألون جهدا في محاربة الفضيلة ونشر الرذيلة.
ومن الأمثلة على ذلك، في بداية القرن الثامن عشر، لما أرادت بريطانيا الهيمنة على الصين تجاريا وعسكريا، عملت على نشر تعاطي الأفيون بين الشعب الصيني، من خلال ذراع بريطانيا التجاري شركة الهند الشرقية البريطانية، واستمر هذا الداء الخطير مستشريا في الصين حتى مطلع القرن العشرين.
ولقد حارب الإسلام الفاحشة وحذر منهما، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور: ١٩).
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله،،،
إن دين الإسلام هو الأقدر على مواجهة الظلم والهيمنة والاستبداد واستعباد الشعوب؛ فالله يأمر نبيه بعدم الاستبداد بالرأي، ويأمره أن يستشير أصحابه، وهو المؤيد بالوحي من فوق سبع سماوات، يقول الله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (آل عمران: ١٥٩).
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على الاستئناس برأي أصحابه قبل أن يمضي في إنفاذ أي أمر جلل، وكان يخاطبهم: ” أشِيرُوا أيُّها النَّاسُ عَلَيَّ”.
ولما تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة، قال: “أَطِيعوني ما أَطَعْتُ اللهَ ورسولَهُ، فإذا عَصَيْتُ اللهَ ورسولَهُ فلا طاعةَ لي علَيكُم”.
لقد حرر الإسلام الإنسان من الجهل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الجهل، “اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ أو أزِلَّ أو أُزَلَّ أو أجهَلَ أو يُجْهَلَ عليَّ أو أظلِمَ أو أُظْلَمَ”، وكان يعلم أصحابه أن يستعيدوا لله من الجبن والبخل.
اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل.
وحرر الإسلام الإنسان من الخوف على الرزق، يقول صلى الله عليه وسلم: “جِبريلُ نَفَثَ في رُوعِي : إنَّه لا تَموتُ نفسٌ حتى تسْتكمِلَ رِزْقَهَا وإنْ أبطأَ عليهَا”، ولقد تكفلت الدولة الإسلامية بتأمين حاجات الإنسان الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وتعليم وصحة.
وحرر الإسلام الإنسان من أخطر أسباب الضعف والوهن وهو حب الدنيا والتعلق فيها، ففي الحديث الشريف الذي يرويه ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يُوشِكُ الأممُ أن تَداعَى عليكم، كما تَداعَى الأكَلةُ إلى قصْعتِها، فقال قائلٌ : ومن قِلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعَنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ، فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ وما الوهْنُ؟ قال حبُّ الدُّنياوكراهيةُ الموتِ”.
عباد الله،،،
نعم لقد جاء دين الإسلام ليحرر الإنسان من كل القيود والأغلال الباطلة والظالمة، يقول ربعي بن عامر: “إنّ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام”.
اللهم إني داع فأمنوا.


أضف تعليق