الخطيب: إياد أبوعجمية.
إن البلاء سنة من سنن الله، ماضية في خلقه، قال الله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت: ٢).
وأن الخير والشر بأمر الله، وأن الأقدار بيده سبحانه يصرفها ويقلبها كيف يشاء، فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، وهو الحكيم الخبير، وينبغي على المسلم أن يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحديد: ٢٢)، وعلينا أن نؤمن ونوقن أن المصائب قد تصيب المسلم التقي الطائع لربه، كما تصيب المسلم العاصي، وكما تصيب الإنسان الكافر، وأن رضا الله عن العبد ومحبته له ليست سببا مانعا من نزول البلاء عليه، فها هم أنبياء الله ورسله، وهم أحب الخلق الى الله، كانوا من أشد الناس بلاء، فمنهم من حوصر وشرد وطرد، ومنهم من ضرب حتى سالت دماؤه، ومنهم من قتل أقربائه وأحبابه، ومنهم من قتل ونشر بالمناشير.
عباد الله،،،
أن من المصائب ما يكون عقوبة لذنب أو خطيئة اقترفها، مصداقا لقول الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} (النساء: ٧٩)، فاذا احب الله عبده عجل له العقوبة في الدنيا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِه وولدِه ومالِه حتَّى يلقَى اللهَ تعالَى وما عليه خطيئةٌ”، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يَودُّ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ، حين يُعطى أهلُ البلاءِ الثوابَ؛ لو أنّ جلودَهم كانت قُرِضَتْ بالمقاريضِ”.
فلا تظن أيها المسلم التقي النقي الطائع لربه أن ما أصابك من بلاء أو مصيبة كانت لهوانك على الله، بل ربما كانت محبته لك هي السبب في وقوعك في البلاء، حتى يطهرك من الذنوب والآثام، ثم تلقاه يوم القيامة وما بك من خطيئة.
ولنا في قصة يونس عليه السلام عبرة وعظة بالغة، فقد أرسل الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى، فدعاهم إلى التوحيد والى عبادة الله، فأبوا وأصروا على كفرهم، فضاق بهم ذرعا وخرج من بلده مغاضبا قبل أن يأذن الله له بالخروج، فأراد الله أن يعلم نبيه درسا في الصبر على الدعوة، وأن لا يتعجل، وأراد أن يزكيه من الذنب، فلما ركب نبي الله يونس السفينة هاج البحر، فقال بعض من عليها لا خلاص لكم مما نزل بكم إلا أن تخففوا من بعض من على السفينة، فاقترعوا بينهم فكانت القرعة على يونس، فأعادوا القرعة ثانية، وذلك لمحبتهم ليونس عليه السلام، فوقعت عليه ثانيه، ثم انهم اعادوها مرة ثالثة، فوقعت عليه الثالثة، هنالك تبين يونس وادرك انها اراده الله، فألقى بنفسه في البحر، فالتقمه الحوت، وقبع يونس في بطنه في ظلمات بعضها فوق بعض، {فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء:٨٧)، فاستجاب الله دعائه، وقبل توبته، ونجاه مما هو فيه من البلاء، وارسله الى 100,000 فدعاهم فامنوا اجمعين.
عباد الله،،،
إن البلاء كما يصيب الأفراد وينزل بهم، فإنه يصيب الأمم والشعوب ويحل بها، وها نحن نرى ما تمر به أمتنا من مصائب وابتلاءات ومحن، قدرها الله بحكم بالغة، وقد ابتلى ربنا قبلنا الأمم السابقة، وابتلى آل فرعون الشدة والجوع، لعلهم يتوبون ويرجعون إليه، لكنهم أصروا على كفرهم وعنادهم، {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (الأعراف: ١٣٠)، وعلى المسلم الذي تصيبه مصيبة أن يصبر ويحتسب ويسلم بقضاء الله وقدره، ولا يجزع، بل يلجأ إليه بالدعاء والاستغفار والصلاه، يا ايها الذين امنوا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: ١٥٣).
والصلاة أخي المسلم هي أعظم معين للعبد عند وقوع المصائب، وخير مثبت له عند البلاء، قال الله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)} (المعارج: ١٩-٢٣)، وعليه أن يحسن الظن بربه، وأن يحاسب نفسه على ذنوبها وتقصيرها، ويصحح اخطائه ويعجل بالتوبة.
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من آيات الله والحكمة.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله،،،
قد يتأخر فرج الله على العبد المسلم ويطول به البلاء، وقد يتأخر نصر الله لأمة الإسلام لأسباب وحكم يعلمها الله تعالى، قد تخفى على العباد ثم يظهرها لهم، ولربما تأخر الفرج والنصر بسبب كثرة ذنوب العباد وعدم توبتهم، فقد روى الشيخان عن زينب بنت جحش رضي الله عنها: “أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ، ومأْجُوجَمِثْلُ هذا، وحَلَّقَ بإصْبَعِهِ، وبِالَّتي تَلِيهَا فَقَالَتْ زَيْنَبُ فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ”، أي الزنا والمعاصي.
ولربما يتأخر النصر لقلة اعداد العدة، فالتوكل على الله لا ينافي الأخذ بالأسباب، قال الله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} (الأنفال: ٦٠)، وقد يتاخر النصر لتمحيص الصف، ولكي يتميز الصابرون الصادقون عن المنافقين وضعفاء الإيمان، ولكي تتجلى حقائق الإيمان وسنن النصر {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (آل عمران: ١٤٢)، فعلى المسلمين ألا يتعجّلون النصر والفرج، و ألا يقنطوا من رحمة الله، وأن يحسنون الظن بربهم، وأن يحاسبوا أنفسهم على اخطائهم، وأن يأخذوا بأسباب النصر والفلاح، ثم يتوكلوا على الله.
نسال الله ان نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم اني داع فأمنوا.


أضف تعليق