الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم السلام

الخطيب: إياد أبوعجمية.

إن من رحمة الله تعالى بالعباد إرساله الرسل عليهم الصلاة والسلام لدعوتهم إلى الخير، وإلى عبادة الله وحده، وتحذيرهم من عبادة ما سواه، وتعليمهم ما يصلح أحوالهم، وتعليمهم مكارم الأخلاق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ”.

والإيمان  بالرسل أحد أركان الإيمان الرئيسية، قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: ٢٨٥).

فمن الرسل من قص الله علينا قصصهم وأخبارهم، ومنهم من لم نعلم أسماءهم واخبارهم، فنؤمن بهم جميعا، تصديقاً لخبر الله عنهم، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} (غافر: ٧٨)، وروى أحمد في مسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: “قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، كمِ المُرسَلونَ؟ قال: ثلاثُ مِئَةٍ وبِضعةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفيرًا”، وفي رواية سأل أبو ذر رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: “كم الأنبياءُ فقال مئةُ ألفٍ وأربعٌ وعشرون ألفًا فقال كمِ المرسلون منهم قال ثلاثمئةٍ وخمسة عشرَ جمًّا غفيرًا”.

وكل الأنبياء والمرسلين جاؤوا بدعوة واحدة، يدعون إلى دين واحد، ويعبدون رباً واحداً، يقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: ٢٥)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “وخيرُ ما قلتُه أنا والنَّبيُّونَ من قبلي : لا إلَه إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولَهُ الحمدُ وَهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ”، ويقول الله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: ١٣٦).

عباد الله،،،

إن إيماننا برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يستلزم أن نؤمن واخوانه من الانبياء والمرسلين، وما صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج بالأنبياء إماما؛ إلا دليل أنهم كلهم من مشكاة واحدة، قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فأحْسَنَهُ وأَجْمَلَهُ، إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ به، ويَعْجَبُونَ له، ويقولونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هذِه اللَّبِنَةُ؟ قالَ: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتِمُ النَّبيِّينَ”

ونؤمن أن أفضل الأنبياء والمرسلون؛ هم أولو العزم، الذين ذكرهم الله بقوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف: ٣٥)، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم أفضل الصلاة والتسليم، وإن أفضلهم وأفضل الخلق كافه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ”

عباد الله،،،

لقد أعطى الله -تعالى- الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- مكانةً جليلةً ومنزلةً رفيعةً ولذلك وجب على الأمّة تجاههم عدّة حقوقٍ:

اولاً: تصديق كلّ ما جاء به الأنبياء والرسل عليهم السلام، والاعتقاد يقيناً دون أيّ شكٍ أنّ الله سبحانه أرسلهم، وأمرهم بتبليغ الناس عنه، ويجب أيضاً الإيمان بهم جميعاً دون تفريق أحدٍ عن الآخر، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (151)} (النساء: ١٥٠-١٥١)، وتجدر الإشارة إلى أنّ الإيمان بهم لا يعني اتّباع شرائعهم بل الإيمان بأنّهم أنبياء ورُسل الله، إذ إنّ شريعة الإسلام خاتمة وناسخة الشرائع السابقة، قال سبحانه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران:٨٥ ).

ثانياً: موالاة الأنبياء والرسل جميعاً ومحبّتهم وعدم بغضهم أو عداوتهم، إذ إنّهم أصحاب مكانةٍ رفيعةٍ ومنزلةٍ جليلةٍ في الدِّين والإيمان، وقد حذّر الله من بغضهم في قوله: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} (البقرة: ٩٨).

ثالثاً: الاعتقاد بأنّهم أفضل الناس ولا يُمكن لأحدٍ نيل مكانتهم ومنزلتهم مهما كان صالحاً تقياً، إذ إنّ الله تعالى اصطفاهم وانتقاهم من كلّ الخَلْق، قال سبحانه: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (الحج: ٧٥).

رابعاً: تصديق تفاضل الأنبياء والرسل فيما بينهم وتمييز بعضهم عن الآخر، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} (البقرة: ٢٥٣)، ومن أمثلة ذلك: اختيار الله تعالى لنبيّه موسى عليه السلام بتكليمه دون واسطةٍ.

خامسا: الصلاة والسلام عليهم جميعاً كما أمر الله سبحانه على ذلك في العديد من الآيات القرآنية منها: قوله تعالى: {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} (الصافات: ١٨١)، نص  الإمام النوويّ -رحمه الله- على استحباب الصلاة والسلام على كلّ الأنبياء، إذ قال: “أجمعوا على الصلاة على نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم، وكذلك أجمع من يُعتدّ به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالاً، وأما غيرُ الأنبياء، فالجمهور على أنه لا يُصلّى عليهم ابتداء”.

وبارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من آيات الله والحكمة، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. 

اما بعد عباد الله،،،

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِن هذِه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كانَ مِن أصْحابِ النَّارِ”، فأي يهودي أو نصراني، وأي صاحب معتقد تبلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ثم يموت ولا يؤمن به، الا كان من أصحاب النار خالدا فيها ابداً، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابه فغيرهم ممن لا كتاب له أولى، ومن أهم مقتضيات الإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم الدخول في دينه وطاعته، فلا يسع يهودي أو نصراني أو أي صاحب ملة أدرك دين الإسلام إلا أن يدخل فيه، ويلتزم وشرائعه وحدوده، حتى لو ادعى أنه على ملة إبراهيم أو ملة عيسى أو مله موسى، فرسالة الإسلام جاءت خاتمة لجميع الرسالات، ومهيمنه عليها وناسخة لها، يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (الصف: ٩)، ولقد امتن الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن هداها الله الدين الحق، وأوجب عليها إيصال كلمة الحق والدين الصحيح إلى غيرهم من الأمم، ويتأكد الواجب على ولاة الأمر وعلى العلماء والدعاة العاملين، ومن لديه القدره أن يبلغوا دين الإسلام ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، حتى يصل الدين الى كل أحد على هذه المعمورة.

اللهم ارفع راية الاسلام عاليه خفاقه وأكرمنا بأن نكون ممن يدعون الى دينك بالحكمه والموعظه الحسنه انك ولي ذلك والقادر عليه.

اللهم اني داع فامنوا.

أضف تعليق