العمل والكسب الحلال

الخطيب: إياد أبوعجمية.

حث الشرع الحكيم على العمل والسعي لطلب الرزق، ورغب فيه ودعا إليه، آخذاً بأسباب الحياة واستمرارها، فقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:١٥)

والسنة النبوية حافلة بالأحاديث التي تحث المؤمنين على العمل وترغب فيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أطيَبُ عملُ الرَّجلِ بيدِه وكلُّ بيعٍ مبرورٍ”، وقال صلى الله عليه وسلم: “لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بحُزْمَةِ الحَطَبِ علَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بهَا وجْهَهُ خَيْرٌ له مِن أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ”.

وعدّ الإسلام العمل الصالح شرفا للمسلم، وبين أن كل عمل يقصد به صاحبه وجه الله تعالى؛ قربة من القربات، وطاعة من الطاعات، وعبادة من العبادات؛ فكما أمر الإسلام بالتبكير لأداء الصلاة، أمر بالتبكير للسعي على الرزق، قال صلى الله عليه وسلم اللهم: “بارِكْ لأمتي في بُكُورِها”.

ولقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه أن يحترفوا حرفه تغنيهم عن الحاجة وعن سؤال الناس، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تَزالُ المسأَلةُ بأحدِكُم حتَّى يَلقى اللَّهَ وليسَت في وجهِهِ مُزعةُ لَحمٍ”، وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: “لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة”، وقد روي عنه أنه أتى المسجد فرأى رجلا منقطعا للعبادة فقال له: “من أين تأكل؟…فأخبره أن له أخا يحتطب في الجبل فيبيع ما يحتطبه فيأكل منه ويأتيه بكفايته، فقال له: أخوك أعبد منك”، اي اكثر عباده منك، واصح عباده منك، وأعظم أجرا.

ولقد شُرّف الرسل عليهم السلام باحتراف مهن يعيشون من كسبها، ويستغنون بها عن سؤال الناس، فها هو سيدنا داوود عليه السلام يحترف حرفة الصناعة، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} (سبأ-١٠)، وزكريا عليه السلام كان نجاراً، قال صلى الله عليه وسلم: “كان زكريَّا نجارًا”، وإدريس عليه السلام كان يعمل بالخياطه، وهذا نوح عليه السلام كان يحترف النجاره، قال الله تعالى مخاطبا نبيه نوح: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} (هود-٣٧).

وهذا موسى عليه السلام عمل أجيرا في أرض مدين يرعى الغنم، وكان مهر ابنة شعيب أن يعمل أجيرا عنده 10 سنوات، يقول الله تعالى على لسان شعيب: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} (القصص-٢٧).

ورعى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم، وهو أشرف الناس وأكرم الخلق على الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما بعثَ اللهُ نبيًا إلا ورعى الغنمَ قالوا : وأنت يا رسولَ اللهِ ؟ قالَ : نعم كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهلِ مكةَ”، والقيراط جزء صغير من الدرهم.

ثم عمل عليه الصلاة والسلام بالتجارة بمال السيدة خديجة رضي الله عنها.

عباد الله، يقول القرطبي في تفسير قول الله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (المزمل-٢٠)، لقد سوى الله في هذه الآية بين درجة المجاهدين ودرجة المكتسبين المال الحلال في الإحسان والإفضال؛ فكان هذا دليلا على أن كسب المال الحلال بمنزلة الجهاد، لأنه جمعهما في آية واحدة.

 بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة ونفعنا بما فيهما من آيات الله والحكمة. 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، عباد الله،،، 

أمر الله عباده المؤمنين أن يتحروا الكسب الحلال، وأن يتجنبوا المال الحرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي ، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها ، وتستوعِبَ رزقَها ، فاتَّقوا اللهَ ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ”.

وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكل مال الحرام يمنع استجابة الدعاء يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “​​إأَيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بما أمَرَ به المُرْسَلِينَ، فقالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (المؤمنون: 51)، وقالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (البقرة: 172)، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟!”.

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: “يارسولَ اللهِ ادعُ اللهَ أن يجعلَني مُستجابَ الدَّعوةِ فقال لهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : يا سَعدُ أطِبْ مطعمَك؛ تكُن مُستَجابَ الدَّعوةِ، والَّذي نَفسُ مُحمَّدٍ بيدِه إنَّ العَبدَ ليقذِفُ الُّلقمةَ الحرامَ في جوفِه ما يُتقبَّلُ منه عَملٌ أربعينَ يومًا، وأيُّما عَبدٍ نبتَ لحمُه من سُحتٍ [ والرِّبا ]؛ فالنَّارُ أولى بهِ”.

ولقد ضرب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في تحري المال الحلال، واتقاء المال الحرام، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كانَ لأبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ له الخَرَاجَ، وكانَ أبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِن خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بشَيءٍ، فأكَلَ منه أبو بَكْرٍ، فَقالَ له الغُلَامُ: أتَدْرِي ما هذا؟ فَقالَ أبو بَكْرٍ: وما هُوَ؟ قالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ في الجَاهِلِيَّةِ، وما أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إلَّا أنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فأعْطَانِي بذلكَ؛ فَهذا الذي أكَلْتَ منه. فأدْخَلَ أبو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شيءٍ في بَطْنِهِ”.

اللهم ارزقنا رزقاً حلالاً طيباً مباركاً فيه، واكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك.

اللهم اني داع فامنوا.

أضف تعليق