الخطيب: إياد أبوعجمية.
في الجمعة الماضية، تفيأنا ظلال ذكرى سيد الأنام، الذي أشرقت الارض بميلاده، واحتفت السماء بقدومه.
ويطيب لنا في هذه الجمعه المباركه، أن نعيش لحظات طيبات مع صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين نصروه وصدقوه وازروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه.
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: “إنَّ اللهَ نظَرَ في قلوبِ العِبادِ؛ فوجَدَ قلبَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خيرَ قلوبِ العِبادِ، فاصطَفاه لنفْسِه، فابْتعَثَه برِسالتِه، ثُمَّ نظَرَ في قلوبِ العِبادِ بعدَ قلبِ محمَّدٍ؛ فوجَدَ قلوبَ أصحابِه خيرَ قلوبِ العِبادِ، فجعَلَهم وُزَراءَ نبيِّه، يُقاتِلونَ على دينِه”.
وقد اتفق أهل العلم على أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم صفوة هذه الأمة وخيارها، وقد شرفهم الله بأن اختارهم من سائر خلقه لصحبة نبيه، وحمل رسالته وإقامة دينه، فهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “خيرُ القُرونِ قَرْني ثمَّ الذين يَلُونَهم ثمَّ الذين يَلُونَهم”.
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وشهد الله لهم بالإيمان، والسبق والخيرية، ورضي عنهم واثنى عليهم في كتابه الحكيم: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة-١٠٠)، وأثنى على مهاجريهم، وشهد لهم بصدق الإيمان والهجرة، ونصرة الله ورسوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحشر-٨)، هاجروا بدينهم وتركوا ما كانوا فيه من نعيم الدنيا ومتاعها ورغد العيش، ورضوا بالشده والفقر والجوع، حتى أن الرجل منهم كان يعصب الحجر ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل منهم يتخذ الحفيرة (أي الحفرة) في الشتاء ما له دثار غيره، وهذا مصعب بن عمير أنعم شباب مكه، وأحسنهم لباسا وأطيبهم رائحة، لكنه بعد إسلامه تغير حاله إلى حال الشدة والشظف، يقول سعد بن أبي وقاص: “لقد رأيته جهد في الإسلام جهداً شديداً حتى قد رأيت جلده يتحشف كما يتحشف جلد الحية”، ويقول خباب بن الأرت رضي الله عنه لما استشهد مصعب بن عمير يوم أحد :“لم يترك إلا نمرة ، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه ، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم : غطوا بها رأسه ، واجعلوا على رجله الإذخر”.
عباد الله، ولقد اثنى الله على الأنصار، وشهد لهم بالإيمان الصادق، والمحبه الخالصه والإيثار، وشهد لهم بالفلاح : {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر-٩)، كان أحدهم وليس عنده إلا قوت عياله، يقول لامرأته: “نوِّمي الصِّبيةَ، وأطفئي السِّراجَ، وقرِّبي للضَّيفِ ما عندَكِ”.
يقول الخطيب البغدادي في فضل المهاجرين والأنصار:“لو لم يرد الله ورسوله فيهم شيئاً مما ذكر لأوجب الحال التي كانوا عليها -من الهجرة، وترك الأهل والمال والولد، والجهاد ونصرة الإسلام، وبذل المهج وقتل الآباء والأبناء في سبيل الله– القطع بتعديلهم واعتقاد نزاهتهم وأمانتهم، وأنهم كانوا أفضل من كل من جاء بعدهم.”،
ولو ذهبنا نسرد مواقفهم التي نصروا فيها الدين واعمالهم التي استحقوا بها الرفعة والمنزلة العالية لما كفتنا المجلدات الطوال فلقد كانت حياتهم كلها في سبيل الله.
عباد الله، لقد اختص الله صحابة رسوله الكريم بخصائص وفضائل كثيرة، ومن هذه الخصائص: صحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشاهدته والنظر إليه، مما كان له الأثر العميق في نفوسهم وفي سلوكهم.
ثانيا: خصوصية نصرتهم لرسول الله والدفاع عنه؛ فقد لازم الصحابة الكرام رسول الله، وعرفوا من أحواله ما جعلهم يحبونه أكثر مما يحبون أنفسهم، ويؤثرونه على أولادهم وأموالهم وأهليهم، وكان شعارهم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فها هو طلحة بن عبيد الله في أُحد يحيط برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتلقى عنه الضربات والطعنات، ويتلقى سهما بيده فأصيبت يد طلحة بالشلل، وصار هذا الشلل مفخرة له مدى حياته، ولقد أصيب رضي الله عنه، في هذا الموقف ببضع وسبعين طعنة وضربة، وقطع إصبعه.
وها هو أبو عبيدة رضي الله عنه ينزع حلقتي المغفر من وجنة رسول الله، فتسقط ثنيتاه، فكان أبو عبيدة رضي الله عنه اثرم الثنايا.
ومن فضائل الصحابة، فضيلة الدعوة، ونشر الإسلام في أنحاء العالم، والجهاد في سبيل الله، ويكفي لبيان ذلك أن تعلم أنّ الصحابة الذين دفنوا في المدينه المنوره لم يتجاوزوا العشرة آلاف صحابي، مع أن عدد الصحابة الذين شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فاق 100,000 صحابي.
فلا تكاد تجد بلداً من بلاد الإسلام، شرقاً أو غرباً، إلا وفيها قبر صحابي، فها هو قبر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه في اسطنبول، خير شاهد على همة الصحابة، وجهادهم لنشر دين الله في شرق الدنيا وغربها، وها هي الصحابية الجليلة أم حرام بنت ملحان، تركب البحر في إحدى الغزوات، ثم تستشهد ويشاء الله لها أن تدفن في لارنكا عاصمة قبرص.
عباد الله…
ومن فضائل الصحابة، فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فقد كانوا رضي الله عنهم يتسابقون في الإنفاق في سبيل الله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا تَسُبُّوا أصْحابِي؛ فلوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ”، وذلك لما كان لإنفاقهم من السبق وصدق النية وكمال الإخلاص، وعظيم النصرة لدين الإسلام.
اللهم صل على محمد وآله، وارض عن صحابته الكرام، وارزقنا الاقتداء بهم، ومرافقتهم في الجنة، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، عباد الله، لقد رفع الله من مكانة الصحابة وأوجب لهم حقوقا عظيمة.
- وأول هذه الحقوق: محبتهم والاعتقاد بفضلهم وعدالتهم، وأنهم صفوة هذه الأمة، وأكملها وأقربها للحق والصواب.
- ومن هذه الحقوق: لزوم ذكرهم بالخير، والثناء عليهم ونشر محاسنهم، وهذا فرع عن محبتهم، هذا ما اتفق عليه أهل السنة قاطبة، ودونوه في كتب العقيدة، أما من يشتم صحابة رسول الله، ويطعن بزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء ليسوا من دين الإسلام بشيء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بريء منهم.
- ومن حقوق صحابة رسول الله: حسن الظن بهم، وفيما شجر بينهم، وعدم الخوض فيه، مع اعتقاد أن ذلك كان اجتهادا منهم، فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ.
- ومن حقوقهم: الدعاء والاستغفار لهم، والترضي عليهم، والدفاع ورد الشبهات عنهم.
- ومن حقوقهم: الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم، فهم أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أفقه الناس بأحكام الدين، وأسلم الناس فطره واصحهم عقيدة، وابعدهم عن التكلف.
اللهم اني داع فامنوا.


أضف تعليق