إياد أبو عجمية.
يستذكر المسلمون في مستهل كل عام هجري جديد؛ في شهر محرم، هجرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمه الى المدينه المنوره، والتي كانت إيذانا ببداية التاريخ الإسلامي؛ بل هي أعظم حدث في تاريخ الإسلام، وفي تاريخ البشرية جمعاء، إذ بعدها قامت الدولة الإسلامية، وانطلقت تنشر الاسلام الى كل انحاء العالم، بعد أن كان محصوراً في شعاب مكة وبيوتها.
ولذلك اختارها الفاروق عمر رضي الله عنه ليؤرخ بها للتاريخ الإسلامي، مع أن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم حافلة بالأحداث العظيمة والهامة.
إن في السيرة لخبراً، وإن في الهجرة لعبراً، وإن في دروسها لمذكراً، واليكم قصة الهجرة باختصار.
عباد الله مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة 13 عاما يدعو إلى الله، فوجد من قومها سدا منيعا من الإعراض والتكذيب والايذاء، واشتد الاذى على من أسلم واتبع دين الحق.
ختم المشركون أذاهم بمحاولة قتله صلى الله عليه وسلم في أواخر المرحلة المكية، مما يعد سبباً مباشراً للهجرة، وبأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة فتنطلق ركائب المهاجرين من مكة، فرادى وجماعات، فقراؤهم وأغنياؤهم، سادتهم وضعفاؤهم، مهاجرين بدينهم تاركين وراءهم ديارهم وأموالهم ودورهم، ويهم أبو بكر رضي الله عنه بالهجرة، فيستوقفه الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول له: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا، وعلى الجانب الآخر تشعر قريش بالخطر الذي يهدد كيانها بهجرة المسلمين، فتعقد مؤتمرا عاجلا في دار الندوة؛ للقضاء على محمد قبل فوات الاوان، ويحضر معهم الشيطان على صورة رجل نجدي، ويتقدم أبو جهل برأي خبيث ماكر، ويقول: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً، ثم نعطي كل واحد منهم سيفا؛ فيضربون محمداً ضربة واحدة، فيقتلوه ويتفرق دمه في القبائل، فأعجب القوم بهذا الرأي حتى إن الشيطان لم يستطع الإتيان بأفضل منه، فقال: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا رأي غيره، وينزل جبريل فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما عزم عليه القوم {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}(الأنفال – ٣٠).
وفي بيت أبي بكر، كان أبو بكر جالساً مع أهله في الظهيرة، إذ أقبل النبي صلى الله عليه وسلم متقنعا مغطياً رأسه ويقول: يا أبا بكر إني قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، فقال: نعم، فبكى أبو بكر فرحا، تقول عائشه فما شعرت أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.
ثم يعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته ويعرّف عليّاً بالأمانات التي عنده؛ ليؤديها الى اهلها.
وفي ظلمة الليل يجتمع المجرمون، ويطوفون منزله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الساعة الحرجة يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يبيت في فراشه، ويخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت يخترق صفوف المتآمرين، يمشي من بين سيوفهم وهم لا يرونه، سمعت قريش بالخبر فجن جنونها، وثارت ثائرتها، وأعلنت عن جائزة كبيرة قدرها 100 ناقة لمن يأتي بمحمد حيا أو ميتا، ويأتي عدو الله أبو جهل بيت أبا بكر ويقرع الباب، وتخرج أسماء رضي الله عنها يسألها: أين أبوك؟ فقالت: لا ادري. فرفع أبو جهل يده فلطم خدها لطمة شديدة، حتى سقط قرطها من أذنها.
ويهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه سراً، ويمكثان في غار ثور ثلاث ليال، وقد تمكن المشركون من اقتفاء أثرهم إلى الغار، وحين رأى الصدّيق أقدامهم، قال وهو خائف: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟، وإلى هذا اليقين الكامل والتوكل التام تشير الآية {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}(التوبة – ٤٠)، ولما خمدت نار الطلب، واطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارتحل رسول الله وصاحبه، وسلكوا الطريق الساحلي يدلهم عبد الله بن أريقط.
وفي مكان آخر يسمع سراقة بن مالك بجائزة قريش، وهو فارس من فرسان العرب، فينطلق كالسهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، طمعاً بجائزة قريش، ويدرك سراقة الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فيسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ولا يلتفت، ويلتفت أبو بكر ويرى سراقة ابن مالك، فيقول: يا رسول الله أوتينا، فرفع رسول الله يده الى السماء ودعا، وهو لا يلتفت: “اللهمَّ اكفِناه بما شئتَ”، وكان سراقة يجري بفرسه على أرض صلبة، فساخت قدما فرسه في الأرض؛ وكأنما تمشي على الطين، فسقط عن فرسه، ثم قام وحاول اللحاق بهما، فسقط مرة أخرى، فنادى بالأمان، فتوقف الرسول صلى الله عليه وسلم، وركب سراقة فرسه، حتى أقبل عليه وأخبره خبر قريش، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفي عنهم، فرجع سراقة، وكلما لقي أحداً قال: ما هناك من أحد، فكان أول النهار جاهداّ على النبي صلى الله عليه وسلم، وآخر النهار مدافعا عنه، فسبحان مغير الأحوال.
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من آيات الله والحكمة، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد…
عباد الله
وفي المدينة يسمع الأنصار بخروجه عليه الصلاة والسلام من مكة، وقد كانوا يخرجون كل صباح بعد صلاة الفجر إلى الحرة ينتظرون قدومه صلى الله عليه وسلم، فإذا اشتد حر الظهيره عادوا إلى بيوتهم، ولما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورآه المسلمون، ارتجت المدينة بالتكبير والتهليل؛ فرحا بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وتلقوه وحيوه بتحية النبوة، وأحدقوا به مطبقين به، والسكينة تغشاه صلى الله عليه وسلم، والوحي ينزل عليه {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ}(التحريم – ٤)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما مر على بيت من بيوت الأنصار، يقول أهل البيت طمعا بأن تكون لهم حظوة شرف استضافة رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلم إلينا يا رسول الله، إلى العدد والعدة والمنعة، ويمسكون بناقته، فيقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها مأمورة، ولما وصلت الناقة قرب دار أبي أيوب الأنصاري بركت، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل أبو أيوب الأنصاري رحل النبي صلى الله عليه وسلم، وتشرف باستضافة الحبيب في منزله.
ثم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد على أرض اشتراها من بني النجار؛ ليكون منطلقا لدعوته، ومكاناً لانعقاد راية الجيوش، وانطلاقها واستقبال الوفود، ومدرسة لتعليم كتاب الله.
أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه: “أمَرَ ببِنَاءِ المَسْجِدِ، وقالَ: يا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بحَائِطِكُمْ هذا قالوا: لا واللَّهِ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّا إلى اللَّهِ”، لكن رسول الله صلى الله وسلم أصر على موقفه واعطاهم ثمنه.
عباد الله هذه نبذة موجزة من هجرة المصطفى، وفيها الكثير من الدروس والعبر.
فأول الدروس المستفادة من الهجرة التوكل على الله، واليقين بنصره وتوفيقه، وهذا ظاهر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل مراحل الهجرة.
ومن دروس الهجرة الأخذ بالأسباب، والاعداد والتخطيط الجيد، بعد التوكل على الله، إذا عزمنا على القيام بأمر هام، تأمل معي كيف خطط رسول الله صلى الله عليه وسلم لهجرته، فالقائد محمد صلى الله عليه وسلم، والمساعد والصاحب أبو بكر، والفدائي علي، وأسماء تقوم بالتموين، وعبد الله بن أبي بكر يتتبع الأخبار، وعبد الله بن أريقط دليل الرحلة، والانتظار في غار ثور ثلاثة أيام؛ حتى تخمد نار الطلب، واتباع طرق الساحل غير المألوفة، كل هذا يدل على حسن الإعداد والتدبير من المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ومن دروس الهجرة التضحية في سبيل الله، فقد ضحى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما يملكون من أجل دينهم، وهذا عليّ رضي الله عنه، ينام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أنهم يريدون شرا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويريدون قتله، فهذه قمة الفداء والتضحية.
ومن دروس الهجرة حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أداء الأمانات إلى أهلها، وهو في أحلك الظروف وأصعبها، وهم يطلبونه للقتل إلا أنه صلى الله عليه وسلم حرص على أداء الأمانات، وإعطاء الحقوق إلى أهلها.


أضف تعليق