علو الهمة

إياد أبوعجمية.

عن ربيعة ابن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: “كُنْتُ أبِيتُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فأتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وحَاجَتِهِ فَقالَ لِي: سَلْ فَقُلتُ: أسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ. قالَ: أوْ غيرَ ذلكَ قُلتُ: هو ذَاكَ. قالَ: فأعِنِّي علَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ.”، فانظر الى همة هذا الصحابي على صغر سنه، وإلى سمو غايته وهدفه؛ فلم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتا، أو بستانا او بعيرا، أو مالا، ولو سئل لأعطاه ولكنه طلب أعظم من ذلك، طلب الجنة، بل إنه طلب أعظم ما فيها، طلب الفردوس الأعلى، ومرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإذا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فإنَّه أوْسَطُ الجَنَّةِ وأَعْلَى الجَنَّةِ”.

وانظر في المقابل وفي الجهة الاخرى إلى قصور همه هذا الأعرابي؛ ففي الحديث  الذي رواه الطبراني في معجمه: “نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأعرابيٍّ فأكرمه فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تعهَّدْنا ائتِنا فأتاه الأعرابيُّ فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:  سَلْ حاجتَكَ فقال : ناقةً برَحلِها وأَعنُزًا يحلِبُها أهلي”

عباد الله علو الهمة، هو توجه القلب وقصده بجميع قواه لتحقيق مراده وتطويع الجوارح لهذا الأمر؛ فكلما ارتفعت همه الإنسان كان إلى تحقيق غايته ومراده أقرب، وقد قالوا: “علو الهمه سبيلك الى القمه”، ورحم الله الشاعر حين قال: “وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام”

ولقد أثنى الله تعالى على أصحاب الهمم العالية والمقاصد السامية والعزائم الثابتة الذين يتعبون أجسامهم في تحقيق مرادهم ولا ينال منهم يأس ولا قنوط ولا وصب ولا تعب قال الله تعالى 

{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} (التوبة-١٢٠)، وذم الله المتقاعسين والمتخاذلين الذين رضوا بسفاسف الأمور ودنيء الغايات وذم الله المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وذلك في سورة التوبة حين قال: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} (التوبة-٨٧)، أي رضوا أن يكونوا مع النساء والأطفال والعجزة والمرضى وفي نفس السورة عاتب الله الصحابة الكرام حين تثاقل بعضهم عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في  شدة الحر وبعد المسافة : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} (التوبة-٣٨).

عباد الله لعلو الهمة أسباب ومحفزات كثيرة أهمها الفهم والعلم فمن علم ما أعده الله من ثواب لعباده المؤمنين وما أعده من عقاب لعباده  العاصين والمقصرين تحرك قلبه خوفا من عذاب الله وطمعا فيما عنده من الأجر والثواب فارتفعت همته ونشطت جوارحه: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)} (الذاريات-١٧ إلى ١٨)، وقال صلى الله عليه وسلم: “مَن خاف أدلَج ومَن أدلَج بلَغ المنزِلَ ألا إنَّ سِلعةَ اللهِ الجنةُ ألا إنَّ سِلعةَ اللهِ الجنةُ”، فالجنه غاليه ثمينه لا ينالها إلا من يستحقها بالعمل الجاد والعبادة الدائمة والصبر عليها.

ومن أسباب علو الهمة ذكر الموت والحساب قال الدقاق: “من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاث تعجيل التوبة وقناعة القلب ونشاط العبادة”، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: “أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بالمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أراضٍ الله عنه أم ساخط عليه، وأبكاني فراق الأحبة محمد عليه الصلاة والسلام وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله يوم تبدو السرائر، ثم لا أدري إلى أين أصير: إلى الجنة أم إلى النار”.

ومن أهم أسباب علو الهمة مصاحبة أصحاب الهمم العالية والاقتداء بهم والتحول عن البيئة الداعية إلى الكسل والخمول فلينظر أحدكم من يخالل فالمرء على دين خليله يقتدي به في أخلاقه وتصرفاته وغاياته وأهدافه.

ومن الوسائل المعينة على رفع الهمة اللجوء إلى الله بالدعاء وتفويض الأمر إليه والاستعانة به كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: “اللهمَّ أعني على ذكرِك وشكرِكَ وحسنِ عبادتِكَ”.

ومن مظاهر علو الهمة انشغال النفس بما هو مفيد ونافع، والابتعاد عن ما يهدر الأوقات ويضيع الأعمار بما لا ينفع، قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ يُحِبُّ معاليَ الأمورِ وأشرافَها ويكرَهُ سَفْسافَها”، وقال صلى الله عليه وسلم:“احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ”، وينسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة”، والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

أما أسباب ضعف الهمة فهي كثيرة، لكن أعظمها خطرا الاستسلام لوسوسة الشيطان، ولوساوس النفس، مما يقع فيها من هم وحزن وعجز وكسل وجبن وخوف ويأس واحباط وتسويف، والتعلق بالاماني والاوهام؛ فكلها مثبطات عن العمل النافع الجاد، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستعاذة منها: “اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والبُخْلِ، وضَلَعِ الدَّيْنِ، وغَلَبَةِ الرِّجالِ”، وقال صلى الله عليه وسلم: “وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ”، وقال صلى الله عليه وسلم: “الكَيِّسُ مَن دان نَفْسَه وعمِل لِما بعدَ الموتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَع نفسَه هواها وتمنَّى على الله”

ومن أسباب ضعف الهمة ارتكاب المعاصي وفعل المحرمات، والانغماس في الشهوات والملذات، والتوسع في المباحات.

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من آيات الله والحكمة أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد، يحفل التاريخ الإسلامي بنماذج كثيرة عن علو الهمة، أعظمها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم صاحب الهمه العظمى، والعزيمة الاثبت، والأمثلة على ذلك تتجلى في كل لحظة من حياته المباركة؛ فلم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة من ليل أو نهار الا وقد شغلها بالعباده والذكر، والتعليم والجهاد، والقتال في سبيل الله، و إدارة شؤون الدولة وتأسيس أركانها.

ولقد أقسم الله بحياته صلى الله عليه وسلم المباركه والله لا يقسم إلا على شيء عظيم قال الله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (الحجر-٧٢)، ولم تنل منه المشاق ولا المصاعب ولا تكذيب المكذبين وتشكيك المشككين واستهزاء المستهزئين ولم ينل منه الحصار والتهجير ومحاولات القتل المتكررة فلم يتسلل الى قلبه اليأس والقنوط في أحلك أوقات الدعوة وأضعف حالاتها اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، واجزه عنا  خير ما تجزي نبيا عن أمته.

ومن الأمثلة على علو الهمة  علو همة، الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنه قال: “وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني ” ، فيقول : يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك ؟ هلا أرسلت إلي فآتيك ؟ فأقول : ” لا ، أنا أحق أن آتيك ” قال : فأسأله عن الحديث”.

ومن النماذج المعاصرة على علو الهمة، علو همة الطبيب والداعية الكويتي الدكتور عبد الرحمن السميط، رحمه الله، فقد أفنى عمره في الدعوة إلى الله في قارة افريقيا، وقضى أكثر من 29 سنه ينشر الإسلام فيها، ولم يبال بالأمراض والأوبئة، والحشرات والأفاعي، وانقطاع الطرق وشح  المياه، وانقطاع الكهرباء، وما تعرض لهم من سجن ومحاولات عدة لقتله، رغم مرضه بالسكري والكلي وآلام مبرحة في قدمه وظهره، وتدهور صحته، واستمر على هذه الحالة داعيا الى الله صابرا محتسبا، حتى توفاه الله سنة 2013، فأثمرت حياته المباركة وهمته العالية أطيب الثمار؛ فأسلم على يديه 11 مليون إنسان من سكان أفريقيا، وقام ببناء ما يقارب من 5700 مسجد، ورعاية 15,000 يتيم، وحفر ما يقارب 9500 بئرا ارتوازية، وقام ببناء 200 مركز إسلامي، وقام بطباعة ستة ملايين نسخة من المصحف الشريف، وتوزيع 51 مليون نسخة من المصحف الشريف، هذا غيظ من فيض من ثمار دعوته المباركة.

نسال الله ان يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم اني داع فامنوا.

أضف تعليق