الرسول المعلم


مع قرب انطلاق عام دراسي جديد وابناؤنا ومعلموهم يستعدون لاستقباله، يطيب لنا أن نستلهم من سيرة معلم البشرية الأول قبسات لتكون منارة للمعلمين والمتعلمين.

عباد الله.

في شعب من شعاب مكة نشأ فتى يتيم لم يسبق له أن يتعلم  في كتاب أو مدرسة، ولم يتتلمذ على يد عالم، أو مؤدب، ويشاء الله أن ينشأ هذا الفتى تحت رعايته وفي كنفه؛ فيملأ قلبه نورا ،وعلما وهدى؛ ليقود البشرية كافة، ويخرجها من ظلمات الكفر والجهل إلى نور العلم والإيمان {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}(الجمعة-٢)

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميا، لا يعرف القراءة ولا الكتابة، إلا أن الله تعالى وهبه من العلوم ما لا يدانيه أحد من البشر، وأتم عليه نعمته بما آتاه الله من شخصيه فذه جامعة فريدة، وامتن عليه بقوله {وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}(النساء-١٣٣)، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينشر العلم والهدى والنور في الناس، فكان خير معلم في محبته لتلاميذه ونصحه لهم، وفي رحابه صدره ورقة قلبه، وفي جمال بيانه وفصاحة لسانه، وحلاوة اسلوبه واشراق روحه {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}(التوبة-١٢٨).

عباد الله. 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إماما وقائدا، ومشرعا وقاضيا، ومقاتلا ورئيس دوله، الا ان اعظم وظيفه أنه كان معلماً، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرأون القرآن ويدعون الله تعالى والاخرى يتعلمون ويعلمون فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “كلٌّ على خيرٍ، هؤلاء يقرأون القرآنَ ويدعون اللهَ، فإن شاءَ أعطاهم وإن شاء منعَهم وهؤلاء يتعلَّمون ويعلِّمون، وإنما بعثتُ معلِّمًا فجلس معهم“.

كان من أعظم صفات الرسول صلى الله عليه وسلم الرأفة والرحمة، وترك العتاب واللوم، والحرص على بذل العلم والخير للمتعلمين في كل وقت ومناسبة {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران – ١٥٩).

وعن معاوية بن الحكم السلمي قال: صليت مع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فعرفت أنهم يصمتوني فقال عثمان فلما رأيتهم يسكتوني لكني سكت قال فلما صلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي ما ضربني ولا كهرني ولا سبني ثم قال: “إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس هذا إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن“.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار في تعليمه من الأساليب أحسنها وأكثرها وقعا في نفس المخاطب، وأقربها الى فهمه وعقله وقلبه، وكان يلون وينوّع أساليب تعليمه مراعيا أحوال المتعلمين وظروفهم، وكان يستخدم أسلوب القصه وضرب الأمثال لما يريد تعليمه، ويعلم طريقة التمثيل ولغة الجسد لتوضيح الفكرة وإيصالها، وكان لا يطيل الدرس بالموعظة مخافة الملل والسآمة على المتعلمين، الا أن أعظم أسلوب استخدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التعليم بالقدوة بسيرته وأخلاقه وكان إذا أمر بشيء عمل به أولا وإذا نهى عن شيء كان أبعد الناس عنه.

وانظر أخي وتأمل الى تلك النماذج العظيمة من الصحابة الكرام الذين تتلمذوا على يد المصطفى وتخرجوا من مدرسته؛ كابي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وأبي عبيدة وسعد بن أبي، وقاص وخالد بن الوليد؛ فكل واحد منهم بأمه، وكل واحد منهم دليل ناطق على عظمة هذا المعلم الفريد، ولا غرابة في ذلك؛ فقد تعلم معلمهم من رب العالمين، بدون واسطة، ونهل من النبع الصافي، علما ونورا وهدى؛  كالماء الزلال لا كدر فيه ولا شائبه.

 بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من آيات الله والحكمة، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

عباد الله.

مع اعلان نتائج اختبار الثانويه العامه، نبارك لابنائنا الطلبه الذين وفقهم الله وامتن عليهم بالنجاح في هذا الاختبار، ونرجو لابنائنا الذين لم يجتازوا هذا الاختبار، أن يحققوا النجاح في الأعوام القادمه إن شاء الله تعالى، وأذكر ابنائي الطلبه وذويهم، أن هذا الامر وهو طلب العلم مما ينبغي أن يبتغى به وجه الله تعالى وحده وإن اخطر ما يمكن أن يقع فيه طالب العلم أن يكون طلبه للعلم بحثا عن الشهره والمال، والجاه والمنصب قال صلى الله عليه وسلم: “من تعلَّم علمًا مما يبتغى به وجهَ اللهِ تعالى ، لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عرضًا من الدنيا لم يجِدْ عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامةِ . يعني ريحَها“، وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ تعلَّمَ العلْمَ ليُباهِيَ بِهِ العلماءَ ، أوْ يُمارِيَ بِهِ السفهاءَ ، أوْ يصرِفَ بِهِ وجوهَ الناسِ إليه ، أدخَلَهُ اللهُ جهنَّمَ“، فعلينا أن نصحح النيه، وأن نبتغي بهذا العلم الذي وهبنا الله اياه وجهه تعالى، وأن يكون سببا في معرفة ربه، وأن يكون وسيله لرفعة أمته وتمكينها في الارض، وأن نطهر قلوبنا من الرياء والعجب والفخر، وإننا إن فعلنا ذلك نكون قد ربحنا خيري الدنيا والآخرة، والا فهو الخسران المبين – والعياذ بالله – وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف أعظم القربات وأقصر الطرق إلى الجنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا ، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ“. 

عباد الله.

إن طلب العلم له من إعداد العدة لنصرة دين الله والتصدي لأعداء الله، ولتحقيق الغلبة عليهم {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} (الأنفال-٦٠)، وهل هناك قوة، بعد قوة الإيمان بالله، من قوة العلم؟ ولنا في اخواننا المجاهدين في فلسطين أسوة حسنة، حيث سخروا ما تعلموه من علوم للإعداد والتسليح والتخطيط لادارة المعركة، والغلبة على الاعداء، وإن مما يطيب لي في هذا المقام أن أذكر الشهيد المهندس يحيى عياش، الذي سخر ما تعلمه من علم الكيمياء لصناعة المفخخات والمتفجرات التي أذاقت العدو الصهيوني ألواناً من العذاب والرعب.

نسال الله ان يعلمنا العلم النافع، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يستعملنا وابنائنا لنصرة دينه وسنته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.

أضف تعليق